سهيلة عبد الباعث الترجمان

578

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

كما أن عبارة الجيلي في كثير من مؤلفاته تحتمل معنى الظاهر والباطن حيث أن كلامه يحتمل الوجهين ويتضمن المعنيين ، وذلك بلغة مرموز به إلى حقائق إلهية وأمور روحانية تتعلق بحقائق الحياة الصوفية وما تقوم عليه من مجاهدات ورياضات . كما يدل على ما تنطوي عليه عبارات الصوفية من معان مستورة باطنة وأخرى ظاهرة واضحة ، ويتمثل في قوله : " فافهم هذه الإشارات ، واعرف هذه العبارات ، فليس الأمر على ظاهره ، واللّه محيط بأوله وآخره " « 1 » . ولهذا جاءت الدعوة بعدم أخذ رموز الصوفية على ظاهرها ، بل على ما تنطوي عليه من معاني تشير إلى حالات وجدانية خاصة عندهم ، ولهذا عمد الجيلي إلى التأويل في العبارة ، فيحمّلها من المعاني ما يتفق ومنطق مذهبه مستخدما في ذلك الإشارة والرمز . وقد عبر عن ذلك بتأويله لقوله تعالى : وَالطُّورِ « 2 » ، وَكِتابٍ مَسْطُورٍ « 3 » ، فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ « 4 » ، وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ « 5 » ، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ « 6 » ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ « 7 » . فقد نبه في تأويله إلى ما ينطوي عليه من المعنى المتعارف عليه لدى الصوفية لذا يقول : " لا تكتف بظاهر اللفظ ، بل أطلب ما وراء ذلك بما أنبأنا عليه من الإشارات ، وأومأنا إليه بلطيف العبارات ، واعلم أن جميع هذه العبارات المعتمد على ظواهرها في قول أهل الشرائع فأنت المراد بها في باطن الأمر ، فأنيتك هي الحاوية لجميع تلك العبارات . . . واعلم أن المراد بالطور نفسك ، قال تعالى : وناديناه من جانب الطور الأيمن أي جانب النفس . . . فاعلم أن هذا الكتاب المسطور هو الوجود المطلق على تفاريعه وأقسامه . . . " « 8 » ذلك هو أسلوب الجيلي في أغلب مؤلفاته وإن كان يميل في بعضها إلى الوضوح والمنهجية .

--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص . ص 76 - 77 . ( 2 ) سورة الطور ، الآية : 1 ك . ( 3 ) سورة الطور ، الآية : 2 ك . ( 4 ) سورة الطور ، الآية : 3 ك . ( 5 ) سورة الطور ، الآية : 4 ك . ( 6 ) سورة الطور ، الآية : 5 ك . ( 7 ) سورة الطور ، الآية : 6 ك . ( 8 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص . ص 91 - 92 .